فصل: ما وقع من أحداث سنة تسع وأربعين وسبعمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.ما وقع من أحداث سنة تسع وأربعين وسبعمائة:

ثم دخلت سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وقراجا بن دلغادر التركماني وجمائعه قد شغبوا، واستطالوا ونهبوا، وتسمى بالملك القاهر، وأبان عن فجور وحمق ظاهر، ودلاه بغروره الشيطان، حتى طلب من صاحب سيس الحمل الذي يحمل إلى السلطان.
وفيها في شهر رجب، وصل الوباء إلى حلب، كفانا الله شره، وهذا الوباء قيل لنا إنه ابتدأ من الظلمات، من خمس عشرة سنة متقدمة، على تاريخه، وعملت فيه رسالة سميتها، النبا عن الوبا.
فمنها: اللهم صل على سيدنا محمد وسلم، ونجنا بجاهه من طغيان الطاعون وسلم، طاعون روع وأمات، وابتدأ خبره من الظلمات، فواهاً له من زائر، من خمس عشرة سنة دائر، ما صين عنه الصين، ولا منع منه حصن حصين، سل هندياً في الهند، واشتد على السند، وقبض بكفيه وشبك، على بلاد أزبك، وكم قصم من ظهر، فيما وراء النهر، ثم ارتفع ونجم، وهجم على العجم، وأوسع الخطا، إلى أرض الخطا، وقرم القرم، ورمى الروم بجمر مضطرم، وجر الجرائر، إلى قبرس والجزائر، ثم قهر خلقاً بالقاهرة، وتنبهت عينه لمصر فإذا هم بالساهرة، وأسكن حركة الإسكندرية، فعمل شغل الفقراء مع الحريرية.
ومنها:
إسكندرية ذا الوباء ** سبع يمد إليك ضبعه

صبراً لقسمته التي ** تركت من السبعين سبعه

ثم تيمم الصعيد الطيب، وأبرق على برقة منه صيب، ثم غزا غزة، وهز عسقلان هزة، وعك إلى عكا، واستشهد بالقدس وزكى، فلحق من النهار بين الأقصى بقلب كالصخرة، ولولا فتح باب الرحمة لقامت القيامة في مرة، ثم طوى المراحل، ونوى أن يحلق الساحل، فصاد صيداً، وبغت بيروت كيداً، ثم صدد الرشق، إلى جهة دمشق، فتربع ثم وتميد، وفتك كل يوم بألف وأزيد، فأقل الكثرة، وقتل خلقاً ببثرة. ومنها:
أصلح الله دمشقاً ** وحماها من مسبه

نفسها خست إلى أن ** تقتل النفس بحبه

ثم أمر المزه، وبرز إلى برزة، وركب تركيب مزج على بعلبك، وأنضد في قارة قفا نبك، ورمى حمص بجلل، وصرفها مع علمه أن فيها ثلاث علل، ثم طلق الكنة في حماة، فبردت أطراف عاصيها من حماة:
يا أيها الطاعون إن حماة من ** خير البلاد ومن أعز حصونها

لا كنت حين شممتها فسممتها ** ولثمت فاها آخذاً بقرونها

ثم دخل معرة النعمان، فقال لها أنت مني في أمان، حماة تكفيك، فلا حاجة لي فيك:
رأى المعرة عيناً زانها حور ** لكن حاجبها بالجور مقرون

ماذا الذي يصنع الطاعون في بلد ** في كل يوم له بالظلم طاعون

ثم سرى إلى سرمين والفوعة، فشعث عن السنة والشيعة، فسن للسنة أسنته شرعاً، وشيع في منازل الشيعة مصرعاً، ثم أنطى أنطاكية بعض نصيب، ورحل عنه حياء من نسيانه ذكرى حبيب، ثم قال لشيزر وحارم لا تخافا مني، فأنتما من قبل ومن بعد في غنى عني، فالأمكنة الردية، تصح في الأزمنة الردية، ثم أذل عزاز وكلزه، وأصبح في بيوتها الحارث ولا أغنى ابن حلزة، وأخذ من أهل الباب، أهل الألباب، وباشر تل باشر، ودلك دلوك وحاشر، وقصد الوهاد والتلاع، وقلع خلقاً من القلاع، ثم طلب حلب، ولكنه ما غلب.
ومنها ومن الأقدار، أنه يتتبع أهل الدار، فمتى بصق أحد منهم دماً، تحققوا كلهم عدماً، ثم يسكن الباصق الأجداث، بعد ليلتين أو ثلاث.
سألت بارئ النسم، في دفع طاعون صدم، فمن أحس بلع دم، فقد أحس بالعدم، ومنها:
حلب والله يكفي ** شرها أرض مشقه

أصبحت حية سوء ** تقتل الناس ببزقه

فلقد كثرت فيها أرزاق الجنائزية فلا رزقوا، وعاشوا بهذا الموسم وعرقوا، من الحمل فلا عاشوا ولا عرفوا، فهم يلهون ويلعبون، ويتقاعدون على الزبون:
اسودت الشهباء في ** عيني من وهم وغش

كادت بنو نعش بها ** أن يلحقوا ببنات نعش

ومما أغضب الإسلام، وأوجب الآلام، أن أهل سيس الملاعين، مسرورون لبلادنا بالطواعين:
سكان سيس يسرهم ما ساءنا ** وكذا العوائد من عدو الدين

فالله ينقله إليهم عاجلاً ** ليمزق الطاغوت بالطاعون

ومنها فإن قال قائل هو يعدي ويبيد، قلت بل الله يبدي ويعيد، فإن جادل الكاذب في دعوى العدوى وتأول، قلنا فقد قال الصادق صلى الله عليه وسلم فمن أعدى الأول، استرسل ثعبانه وانساب، وسمى طاعون الأنساب، وهو سادس طاعون وقع في الإسلام، وعندي أنه الموتان الذي أنذر به نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام.
كان وكان:
أعوذ بالله ربي من شر طاعون النسب ** باروده المستعلي قد طار في الأقطار

دولاب دهاشانه ساعي لصارخ ما رثى ** ولا فدا بذخيره فناشه الطيار

يدخل إلى الدار يحلف ما أخرج إلا بأهلها ** معي كتاب القاضي بكل من في الدار

وفي هذا كفاية، ففي الرسالة طول.
وفيها أسقط القاضي المالكي الرياحي بحلب تسعة من الشهود ضربة وحدة، فاستهجن منه ذلك، وأعيدوا إلى عدالتهم ووظائفهم.
وفيها قتل بحلب زنديقان أعجميان، كانا مقيمين بدلوك.
وفيها بلغنا وفاة القاضي زين الدين عمر البلقيائي بصفد بالوباء، والشيخ ناصر الدين العطار بطرابلس بالوباء، وهو واقف الجامع المعروف به، بها وفيها توفي القاضي جمال الدين سليمان بن ريان الطائي بحلب، منقطعاً تاركاً للخدم، ملازماً للتلاوة.
وفيها بلغنا أن أرغون شاه، وسط بدمشق كثيراً من الكلاب.
وفيها توفي الأمير أحمد بن مهنا أمير العرب، وفتّ ذلك في أعضاد آل مهنا، وتوجه أخوه فياض الغشوم القاطع للطرق، الظالم للرعية إلى مصر، ليتولى الإمارة على العرب، مكان أخيه أحمد، فأجيب إلى ذلك، فشكا عليه رجل شريف، أنه قطع عليه الطريق، وأخذ ماله، وتعرض إلى حريمه، فرسم السلطان بإنصافه منه، فأغلظ فياض في القول طمعاً بصغر سن السلطان، فقبضوا عليه قبضاً شنيعاً.
وفيها في سلخ شوال، توفي قاضي القضاة نور الدين محمد بن الصائغ بحلب، وكان صالحاً عفيفاً ديناً، لم يكسر قلب أحد، ولكنه لخيريته طمع قضاة السوء في المناصب، وصار المناحيس يطلعون إلى مصر ويتولون القضاء في النواحي بالبذل، وحصل بذلك وهن في الأحكام الشرعية. قلت:
مريد قضا بلدة ** له حلب قاعده

فيطلع في ألفه ** وينزل في واحده

وكان رحمه الله من أكبر أصحاب ابن تيمية، وكان حامل رايته في وقعة الكسروان المشهورة.
وفيها في عاشر ذي القعدة، توفي بحلب صاحبنا الشيخ الصالح زين الدين عبد الرحمن بن هبة الله المعري، المعروف بإمام الزجاجية، من أهل القرآن والفقه والحديث، عزب منقطع عن الناس، كان له بحلب دويرات، وقفهن على بني عمه، وظهر له بعد موته كرامات، منها أنه لما وضع في الجامع ليصلى عليه بعد العصر، ظهر من جنازته نور، شاهده الحاضرون، ولما حمل لم يجد حاملوه عليهم منه ثقلاً، حتى كأنه محمول عنهم، فتعجبوا لذلك، ولما دفن وجلسنا نقرأ عنده سورة الأنعام، شممنا من قبره رائحة طيبة، تغلب رائحة المسك والعنبر، وتكرر ذلك، فتواجد الناس وبكوا، وغلبتهم العبرة، وله محاسن كثيرة رحمه الله، ورحمنا به آمين، ومكاشفاته معروفة عند أصحابه.
وفي العشر الأوسط منه، توفي أخي الشقيق وشيخي الشفيق، القاضي جمال الدين يوسف، ترك في آخر عمره الحكم، وأقبل على التدريس والإفتاء، وكان من كثرة الفقه والكرم وسعة النفس وسلامة الصدر بالمحل الرفيع، رحمة الله تعالى، ودفن بمقابر الصالحين قبلي المقام بحلب. قلت:
أخ أبقي ببذل المال ذكراً ** وإن لاموه فيه ووبخوه

أزال فراقه لذات عبشى ** وكل أخ مفارقه أخوه

وفيه توفي الشيخ علي ابن الشيخ محمد بن القدوة نبهان الجبريني بجبرين، وجلس على السجادة ابنه الشيخ محمد الصوفي، كان الشيخ علي بحراً في الكرم، رحمه الله ورحمنا بهم آمين.
وفي الثامن والعشرين من ذي القعدة، ورد البريد من مصر بتولية قاضي القضاة نجم الدين عبد القاهر بن أبي السفاح، قضاء الشافعية بالمملكة الحلبية، وسررنا بذلك ولله الحمد.
وفيه ظهر بمنبج على قبر النبي متى، وقبر حنظلة بن خويلد أخي خديجة، رضى الله عنها، وهذان القبران بمشهد النور خارج منبج، وعلى قبر الشيخ عقيل المنبجي، وعلى قبر الشيخ ينبوب، وهما داخل منبج، وعلى قبر الشيخ علي، وعلى مشهد المسيحات شمالي منبج، أنوار عظيمة، وصارت الأنوار تنتقل من قبر بعضهم إلى قبر بعض، وتجتمع وتتراكم، ودام ذلك إلى ربع الليل، حتى انبهر لذلك أهل منبج، وكتب ماضيهم بذلك محضراً وجهزه إلى دار العدل بحلب، ثم أخبرني القاضي بمشاهدة ذلك أكابر وأعيان من أهل منبج أيضاً، وهؤلاء السادة هم خفراء الشام، ونرجوا من الله تعالى ارتفاع هذا الوباء الذي كاد يفني العالم ببركتهم، إن شاء الله تعالى. قلت:
اشفعوا يا رجال منبج فينا ** لارتفاع الوباء عن البلدان

نزل النور في الظلام عليكم ** إن هذا يزيذ في الأيمان

وفيها في ذي الحجة، بلغنا وفاة القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري بدمشق، بالطاعون، منزلته في الإنشاء معروفه، وفضيلته في النظم والنثر موصوفه، كتب السر للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بالقاهرة، بعد أبيه محي الدين، ثم عزل بأخيه القاضي علاء الدين، وكتب السر بدمشق، ثم عزل وتفرغ للتأليف والتصنيف، حتى مات عن نعمة وافرة، دخل رحمه الله قبل وفاته بمدة معرة النعمان، فنزل بالمدرسة التي أنشأتها، ففرح لي بها، وأنشد فيها ببتين أرسلهما إلى بخطه وهما:
وفي بلد المعرة دار علم ** بني الوردي منها كل مجد

هي الوردية الحلواء حسناً ** وماء البئر منها ماء ورد

فأجبته بقولي:
أمولانا شهاب الدين إني ** حمدت الله إذ بك تم مجدي

جميع الناس عندكم نزول ** وأنت جبرتني ونزلت عندي

قد تم بعون الله تعالى تاريخ العلامة الملك المؤيد إسماعيل أبي الفداء.